الهِمَمُ العوالي..


موسيقى الخلفيَّة (207)

كذلك ذوي الاحتياجات الخاصّة؛ هم أيضاً بحاجة لتذوّق مختلف الفنون.. بالرّغم من فقدان الحواس التي يُذاق بها تلكما الفنون!

الأمر يحتاج لمجهودات أناسٍ مخلصين كيما يتقاسموا مع ذويهم مِن ذوي الهِمَم ما جادت به الحياة مِن ألوان الفنون و ما تحوي مِن ألوانٍ زَهِيَّة و ألحانٍ شجيّةٍ و روائح زكيّة..

و ما أن يفعلها أحدهم فيجد الطّرائق المؤدّية لاستثارة الحواس الخاملة نحو سمعٍ أو بصرٍ أو كلام، فيجد في طريقته النّجاعة و النّفع، و كم هي بهجة الرِّي بعد الظَّمأ؛ فما بالك بِمَنْ أحسَّ غريزةً بعد أنْ كانت مُعَطَّلة، أو أن يُعِدُّ أحدَهم وليمةً بعد أن كان ضريراً..

و هو ما لا يطيق أنْ يفعله منفرداً، إذ لابُدَّ له مِن هادٍ يقيله عثرات الطّريق، أو مُعيلٍ أو صديق..

لم يُهمل الأطباء حول العالم ذلك المجال، أي ما يتعلّق بذوي الهِمَمْ، و كذا اختصاصيون عدّة. كمثال؛ فلقد استحدث برايل الكتابة المرموزة البارزة لفاقدي البصر، فاستعاض بحاسّة اللمس عن حاسّة البصر، فلقد استفاد مِن الموجود لتعويض المفقود..

و آخرون مثل برايل في غير مجال؛ كاستحداث السّمّاعات المكبِّرة لضعاف السّمع، و غيرهم مِمَّن ركّزوا الأبحاث، و أكثروا من التّنقيح، ما بينَ عالمٍ رؤوف و آخر يبحث عن المال..

ما الّذي دعا العالم إلى الاحتفاظ بموروث الفنون و ألوان الحياة..

لعلّ أحدكم أحسّ بمدى الحنق الّذي يكاد يجتثّ حنجرته من فرط المقاومة و الكبت؛ فما بالكم بمن لا يستطع تأويلاً، و لا يفقه قيلاً، و لسانه ثقيلاً..

كلُّ وجب عليه الحمدُ للمولى عزّ و جلّ فيما مَنَح و قدّر، و ما أجزل و ما قتّر.. و في كلِّ وقتٍ و على أيّ حال..

الحمد لك يا الله حمداً كثيراً طيّباً على المنح و قبله الحِرمان، فما يدرِ كَمْ هو جزيلٌ عطائك أيُّما إنسان..

و كخطوةٍ جادّة.. أقولها.. لابدّ لكل فردٍ مِنّا أن يقوم بمشاركة إسهام؛ فيكون إسهامه للجّرح التئام، و لكلّ محرومٍ وِئام، و كاشِف الضُّرّ الغمام.. بإذن الله تعالى..

لا يستوي أن نعبث و نستهلك و ننهل من نتاج الموروثات الفكريّة و العقليّة و التّكنولوجيّة و غيرها على مرّ العصور دون أن نُضِف لذلك المعين ما يهتدي به الغير و يُعين..

لا مكان لذوي الأعذار من الانهزاميين، و لا راغبي الشّهرة و لا المُدّعين، لكن المقام يتّسع للمخلصين، الذين حباهم الله بلمسة عطف منه سبحانه و تعالى.. تعالى على كلّ شئ..

انظر لكلّ ذي هِمّة.. في كفاحه.. في معاناته.. في آهاته..

ستشعر أن عباءة الواجب نحوهم تضيق على صدرك و تكاد تخنقك من ضيق الإطار..

إنّي أدعوكم و أدعو نفسي إلى حفلة الحَرَج.. الحرج من التّقصير نحو ذوي الهِمَم..

و لن يُنْزَعُ الحرَج.. و لن تتّسع العباءة مِن دون الاتّجاة نحو ذوي الهِمَم بشئٍ مِن رِعاية و عِناية و اهتمام..

و ليس الأمر قصراً على التّبرُّع بالمال، لكن يسع الأمر أن يتم التّضحية فيه بوقتٍ أو جهدٍ أو بنات أفكار..

و لا يقتصر الأمر على فاقدي هبات الرّحمن فيما يَهِبُ مِنْ حواسّ و إحساس.. فالكبار سِنَّاً مندرجين، و كذا اليتامى فهم معنيين.. و غيرهم مِن فِئاتٍ لا يقدرون على شئ و هُم في المعيش فُرادى أو اتِّكاليّين..

و يتعيّن على كلّ ذي هِمَّةٍ و كفاح الاعتناء بأنفسهم بعد أنْ يد الحنان تلمسهم، فيربّت على كتفيه أحد الحانّين.. فيعطي الحنان إلى المكلوم، و يستمدُّ مِنْ عَطْفِهِ عليه الطّاقة و العلوم..

لابدّ مِنْ أن يتبصّروا على اختلاف مصائبهم، أيُّ الحواس التّعويضيّة بِها الفَلَاح، و إلى أيّ طريقة قلبَهُ سيرتاح..

فعندما يستقرُّ في يقينه التّسليم بالقدر، ثمّ الاعتياد ثم الرّاحة؛ فسيرى عندئذٍ ما أُخفي بالأَمس عنه مِن قُرَّةً أعيُنٍ..

و بدلاً مِن السّخَطِ و الإنكار؛ سيحلُّ العُرفان و الافتخار..

و ستعلم حينئذٍ أنَّ الحواس ليسوا خمسة و لكنّها عشرات الحواس، لكن النّاس في أمر التباس..

فما زاد عن الخمسة الحواس؛ إمّا يحسبونه مِن الحقّ الموروث بلا حمدٍ أو شُكور للإله المشكور، أو يحسبوه مِن أساطير المهووسين، و غيرهم ما لا يستطع لما زاد عن الخمس تمييزاً، و لا يعلم عن جملة الأمر و لو عرضاً وجيزاً..

فالأصمّ لابدّ له من إعمال مخيّلته السّمعية إنْ كان ذي سمعٍ مِنْ قبل، و الأصمّ الموْلِد تعتمل في خيالاته مفهوم السّماع و الاستماع..

إخواني ذوي الهِمَم.. تحيّاتي لكم بكل اللّغات و أروع الأصوات و أبدع الخيالات، و إنّي أهيب بحضراتكم أن تعلّموننا دروس الصّبر، و استساغة المُرّ، و الحَمد على الضُّر و على ما يَسُرّ..

لقد علمتمونا الكثير..

و كلّ مَن على الأرض يُكِنون لكم الرّحمة و الاحترام؛ و منهم مَنْ يبتغي الرّعاية و الخدمة و الاهتمام.. جزاهم الله عنَّا خير الجزاء..

و أكاد أن أقول أنّكم ممنوحين و لستم من المحرومين..

فكلّما أردت أن أجد مصدر الصوت الرّخيم فإذ به ضرير..

و كلّما رأيت الرّسم الأهمّ، فإذ بِهِ مِنْ أَصَمّ..

و لكل من فقد الكلام، فمجموع الحنان لديه يكمُن في السّلام..

يا لكم مِن مُرهَفين..

فما زاد عن الخمسة حواس، فهي في فضاء المُرهفين..

انتقوا مِن فضائكم ما يُثْلج صدوركم..

و تجوّلوا و نحنُ جارٌ لكم، و خير معين، و بالله على الموصوف سنستعين..

#بقلم_محمد_عوض

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s