قيل


قيل كثيراً عن صنوف المدراء و القادة؛ و دارت الأحاديث ما بين مدحٍ و قدح..

و لا يدرِ المُدراء و لا القادة ما سُطِرَ عنهم؛ كلٌ يحسبُ أنه بلغ من الحكمة منتهاها؛ و انّه قد اعتدل إن كان مُنصِفاً؛ أو أخفق إن كان انهزامياً أو ارتقى إن كان مُتسلّقاً..

و لا يأبه أكثرهم بما حَكمَ و لا يتفوّه بحديث طُمأنينة نحو ذويه و لو حتّى ذرّا للرماد..

يحسب كُلٌ مِنهم أنْ قد بَلَغَ أَشُدَّهُ ببلوغهِ ذاك المقام؛ ناسياً أو مُتناساً مَن يَتْلونَهُ مِنْ تابعين..

و إحقاقاً للحقِّ فالبعضُ تراهُ جاهداً نَفْسَهُ ساعياً للعدل؛ و أكثرهم مَن لا يُلقِ للعدل بالاً..

و هُمْ صنوف كُثُر؛ فهنالك الراعي و الداعي و المُدّعي و المُبتغي و الحانق و الحاذق و المُتنازل و المتخاذل و المُتّبع و المُبتَدِع و الأكّال و النكّال و تاجر الأمانيّ.. و آخرون..

أمّا الراعي؛ فهو مَن يَحْرِص على منافع ذويه كحرصهِ لنفسه أو أشدُّ حِرصا.. و هو يَعْلَمُ المُحيط و الوجهة؛ و يأمنُهُ الجَمْعُ في مسعاه ووجهته و مبتغاه.. فلو حظيت به فلتدعمهُ و لتُثني على محامِدِه؛ ذلك ألّا يُفْتَنُ ثُمَّ ينْقَلِب على عَقِبَيْه؛ و لتكن له ساعِداً و مُساعِداً..

و أمّا الدَّاعي؛ فهو من لا يرى وجهةٍ بعينها؛ غير أنّه يدعُ ذويه إلى وِجهةٍ ما؛ ليس يَدري إذا ما كانت ذات منفعةٍ أم مَضَرّةّ؛ بل أغلب الأحيان يقوم باستشارة الجمع؛ فلو كان خيراً نَسَبَهُ لنفسه؛ و إن كان غير ذلك ألقى باللوم على مُستشاريه.. و إن حظيتَ به فلا تَدَع عَنْكَ الحَذَر؛ فإنّ منهجهِ يُلقي بظلالِ متاعِب خاطفة تأتيكَ مِن حيث لا تحتَسب؛ و قْد لا تَجِدْه حينئذٍ للمراجعة و التذكير؛ كوْنِهِ قد هَلَكَ بالفِعل و ما عادت تُجْدي شَهَادَتُه

أمّا المُدّعي؛ فهو راعي الانجازات الزائفة؛ و هو أيضاً المُقْتَبِسُ لأفاعيل غيره بتصرُّف و مُفاخراً بها؛ أو أنّه ذو علمٍ قليل لكنّ مَنْ حَوْلِهِ مِن الأراذل لا يستطيعون تمييزا. و يمكث هذا الصنف مُتَماهياً و مُباهياً ثم سرعان ما تنكشف حِيَلُهُ فتراه يروغ إلى حديثٍ غَيرَهُ لإسقاط الحِيَل بِثَوبٍ جديد.. إذا ما حظيتَ بِهِ فامنع عَنهُ مُقْتَرَحَاتِكَ و بناتِ أَفكَارِكَ إلا عَلَناَ أو في مجموعة؛ بذا يمْتَنِع عَن الادّعاء خشية الوشاية..

و ترى المُبْتَغي كثير الطلب؛ جامِعٌ باستزادة؛ لا يَبرح مَنفَعةً لَهُ أو لِغيرهِ إلّا و لِعَيْنَيْهِ مِنْها نصيبا.. إذا ما حظَيتَ بِهِ فلا تستَجِب لجَشَعِهِ و لا تَخْشَ امتعاضاً؛ فلستَ وحيداً في مطالبه أو فريداً في مساعيه؛ و إنّه مُثْقٍلٌ للجميع بمطالبه و لو تجنّبت الإيفاءِ بمطلَبِهِ لكُنتَ واحداً مِنْ أصل كَثرةٍ قد لا يَلْحَظُ ذلك؛ غَير لو أنّه عَمد إليك في أمْرٍ فريدٍ فالفت الأنظار إلى مساعيه و ليكُن ما يَكون..

و الحانِق لا يكادُ يمرُّ يوماً ألّا و صبّ على ذويه جامّ غضبِه؛ و يستشيط غضباً مِنْ سفاسِف الأُمُور؛ و هو غَيْرُ ناضِج أو أنّه لا طاقة لهً بالقيادة أو الإدارة و لكنّه يستَمّد إلهامَهُ مِنْ أحباله الصوتيه و حبائلِهِ اليوميّة.. فإن حظيت بمثله فلا بُد لك مِن أن تنكأه و أن تضع حداً لِحَماقتِهِ و طِيْشِه و لا تتهاون في الأمر و لا تنكص فيجعل مِنْك عِبْرةً للمُعترضين؛ بلْ كُن قبلةً لَهم في الثبات على مبدأ حُسن المُعاملة حين الخطأ و بلا تجاوزٍ في حقّه؛ فإن تعَقّل فليدعمه الجميع تباعاً ليعلم أنّ الأمور لا تُنْجَز إلّا بِحسن العشير..

و كذا الحاذق في هذا المقام؛ فتراه يَجِدُ حلولاً للعديد مِن المُشكلات و لكن بِغٌير هَدْيٍ و لا مَرجِعٍ رصين؛ و هو مًعْجَبٌ بطرائقِهِ ذات الطابع السريع؛ و لكن لا تَجِدَ من وراءه صراطاً مُعتَدِلاً و نهجاً قويماً؛ و قدَ ينسَ هُو نَفسه حيثيات القرارات؛ و لكنّه في حالة انتاجٍ دائم.. إذا ما حظيت به و كان ذو ثقةٍ و اعتداداً بالنفس أو مُفاخرة؛ فاحرص على تبنّيه للفِعْل و كذا تبعاتهِ كمسئولية كاملة و ألّا يطالك الشّرَرُ حين الشّطَط.

و المُتَنَازِلُ تجده مِن المُفرّطين في حقوقه بل و حقوق تابعيه بغية الاستقرار أو الفرار مِن المتاعِب و تراه في كلّ موقف حزيناً منزوياً جرّاء ما أصابه من ظلمٍ لا بسبب طغيان رؤسائِه و حَسْب؛ و لكن بسبب تفريطه الظاهر الذي استحال إلى سِمَةٍ حتى صارَ هو و ذويه مِن مطامِع الصيادين.. إذا ما حظيت به فلا مانع مِن مواجهة رؤسائه بلا مجاوزةٍ له و لكن بلا تفريط في حقوقك و حقوق مَن حولِك..

و المُتَخاذِلُ كالمُتَنَازِلِ إلّا قليلاً.. فهو لَمْ يُفرّط في الحقوق، لكنّه لم يَطلُبها مِنَ الأَصل، قد ترى ذويه جاهدي أنْفُسِهِم بلا جزاءٍ يُذكَر؛ جرّاء تَخاذل ذاك الكسلان، و لا يُجازى من بَرَع في صَنْعَةٍ إلّا سراباً.

و قد يسلُك ذلك المنحى عَنْ قناعاتِ سقيمةٍ أو لِكَسَلٍ ظاهر أو عدم اكتراثٍ بشؤؤنه هو و مَنْ حَوْلَه. و ان حظيت بِهِ فلا بدّ لك مِن جَمْعِ الجَميع في مجموعة نقاشٍ مَعَهُ؛ مُتّخِذين موقف استياء من ضياع الحقوق؛ و لتكن تلك الجلسة مؤرّخة و نقطة رجوع حين الاصطدام..

أمّا المُتَّبِعُ فهو مَن سار على دَرْب آخرين؛ توفيقاً كان أو بُهْتاناً و هو لقدوته بمثابة الظِّل؛ لا يَظْهَرُ حين أشراقهم و لكنْه يأتِ في ماضيهم كما يأْتِ الظّل آن الغروب، و لا يعبأ بالمشورة و لا الحُكم الحصيف و لا النقد و لا النصيحة؛ فلقد ولّى آخرين إماماً لتصرّفاته و مُتّبعاً لمسلكهم و لو في الهَلَكةِ هو و تابعيه. “لقد ضلّ مَنْ كانت العميانُ تَهْديه”. و إن حظيت به؛ فلا بُدّ لك من توثيق أعمالك و خطواتك حتّى إذا أتَى يَوْمُ المُحاسبة فأنتَ حَصين.. و لا مانع مِن تقديم بعض الارشادات له لعلّه يلتفتُ إلى سبيل الرّشاد..

و المُبْتَدِعُ غير المُبْدِع؛ فالأخير مفتاحاً للنعيم لو سار على النهج القويم؛ غير أنّ المُبتدِعُ كما الماء ما له من قَبضة، و تراه في كل مجادلةٍ يَسِنُّ قوانين و يُرسِ قواعد لم يسمَع بها أَحَدٌ مِنْ قَبل؛ و لا مَرجعيّة لديه و لا قُدْوةٍ؛ بل إنه مع حُمْقِ خِصالِهِ و ضَعْف حُجّته مناضلاً شرساً في الثباتِ على المبادئ الخرقاء التي يَسِنُها وليدة كل مَوْقِف. و إن حظيت بِهِ فلا بد أن تُغرِقْه بالسؤال عن التفاصيل لتجده ينهار أمامك كبيتٍ مِن وَرَق.

أمّا الأَكّالُ فهو لِصّا في صورةٍ مُديرٍ أو قائِد؛ و لا يَكِلّ مِنْ أكل أموال الآخرين بالباطل و مُتكئاً على قمعهم و مُتّكِلاَ على مَنْ فوقَهُ، و لا يَعْرِف ما الحقوق؛ بِل إنّه صانعٌ ماهِرٌ للشَرَكِ و الأفخاخ؛ و لا يحابي أحدهم إلا إذا اطمئنّ لرضاه بالمَظْلَمَةِ كنوعٍ مِنْ الابتلاء أو حتّى القُربى؛ فإذا ما عاود الحديث عن حقوقهِ صار لَهُ نِدّا و فَعَلَ بِهِ الأفاعيل، و ترى النَكّال كمثلِه غير أنّ مسعاه في ذلك ليس كالأكّال الذي ينفع ذاته و إنما يسلك نفس المنهج مرضاةً لرؤسائه و يجحد الآخرين حقوقهم قُرباناً لهم و ابتغاء الرضا.. فإذا ما حظيت بأحدهم فلا تتهاون معهم و اعلم انّ التنازل مرّة يعني التنازل كُلّ مَرّةٍ؛ بل و لا تدَع لَهم فخّا إلّا فضحتَه و لينقلب السحر على الساحر؛ ذلك بأنه “لا يَفِلُّ الحديد إلّا الحديد” أو “الحديدُ بالحديدِ يَفْلَح”..

اخيرا و ليس آخراً يتدَنّى و يتدَلّى تاجَر الأماني أو “عزازيل” كما يحلو لي أن أُسميه؛ فرأس مالِه وعود جوفاء و أفعاله زَيْفٌ و مَحْضُ سراب و تراه مُحدّثاً لَبِقاً و ذو حسن مَظهَر و عذب الوعود و يُلاطِفُ خيالات المتوسمين بكلماته و تُغريهم صُورهم في رواياتِه و هو مصّاصُ دماءٍ محترف و تراه يعتَلي المناصب و يجولُ بين الوجهاء لا لمهارةٍ لديه و لكن باستقباله للعطايا مقابل الوعود و المزيد من الوعود، فهو كاذِبٌ ماهر و متطفِّل بارع و كلمة حقير لا توفّيه ذرّةٌ مِنْ وصفه؛ كما أنّه لا يرى في كلمة حقير ذمّاً فهو مُرتَزَقٌ وصوليّ لا يعبأ إلا بمقدار المنافع الشخصية سواءاً أتَتْ مِنْ سعيِهِ أو أن يقتات على مجهودات الآخرين و يعدهم و يُمنّيهم.. إذا ما كُنْتَ تعسياً أو مُبتلىً و حظيت بذلك النوع فلا تَستَهِن و لا تَدَع لَهُ مخرجاً بل و استعذ بالله مِنهُ و لا تَعْجَب إن رأيتَهُ يَحْتَرِق!

#بقلم_محمد_عوض

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s