إلّا مَنْ رَحِمَ ربّي..


لَمْ ألقَ في القُربِ من الأعيان الأُنس و لا المؤازرة، بل إن أكثرهم لا يُقدمون على خدمةٍ إلا ما ندر، و ينفرون مِمَّن يَقضّ مضاجعهم و لا يأبهون بِكُنه السائِل و لا المسألة..

كذا لم أجد في أقاصي العوام ما يُثلج الصّدر، فما يهوونه ليس بالمألوف و لا الذي يقبل التطبيع بعد مضيّ مدّة، ذلك أن المسألة تحتمل اختلافاً في الأذواق، ليس علوّا و انحطاطاً بقدر ما هو يُمْنَةً أو يساراً..

أمّا الأقرباء، و لستُ أعني فقط إطار العائلة و إنما كلّ من هو قريب، فمنهم مَنْ يستحق الإجلال و منهم مَن لا يستحِق التحيّة..

أمّا الخِلُّ الوَفِي؛ فذلك ما صنّفته العرب ثالثاً للمستحيلات؛ و الذي لا يقلّ اسطورة عن الغول و العنقاء..

فكما لن تجد الخلّ الوفيّ، فلا تحسبنّ أنّكَ خلّاً وفيّاً لأحدهم، و ما تفوّه الأقدمون بحكمٍ إلّا بالتكرار الذي يصل لحدّ الأصل في الموضوع المطروح، و كذا مِن مُرِّ التجربة حين معايشتها..

اعْلَمْ أنَّ الخلّ الوفي رُتبة و ليس وصفا..

لا تشعُر بالمرارة، و اعلم أن الأباطرة العِظام ما سقطوا و ما سقطت ممالكهم تباعاً إلّا بفضل ذلك ال”وفيّ” و لَمْ تُتَّخذ العبرة مِن حِكَمِ الأوّلين و أمثال المتقدّمين.

كما انهارت الامبراطوريات في العموم احصاءاً بفعل أُناسٍ لا يقلّون في الشأنِ خِسّة، فبجانب الأخلاء الأوفياء ذوي الحناجر ظهوراً.. ذوي الخناجر في الظّهور، ضارعهم الغانيات و الشحاذين لإتمام المهمّة و هُم في الرُّتبة سواءا..

كُلٌّ هوامش و أصاغر بجانِب الخِائِن الوفي؛ ذلك الذي جرَّدَك مِنَ الحذر آن الخطر.. و بيديكَ فتحت باب الحِصن بالترحاب حتّى جال الأعداء في ساحتكَ دخولاً مِنْ بابه.. و لا يُلامُ إلا مَنْ أراد أن يُمسك الماء بيديه كونه ظمآنا؛ اعلم أن الخائن الوفي لا يتأتّى إلا بمدخله كادعاء “الخِلّ الوفي”..

لا تأسفنّ عليهم، بل اللوم كُلّه يقعُ على عاتقكَ، فأنتَ من ابتلع الطُعم في المقام الأول بارتدائك لعصبة الأعين لتغُضّ الطرف عن مساوئ و مثالب أولئك الأدعياء بغية الأُنس بمجالسهم، أو أنّك استوحشت الوحدة -الراقية- فذهبتَ تبحث عمّن تسمّيهم أقربين، حريٌّ بك أن تخلع لفظة المقرّبين على من كانوا بقربكَ آن الانكسار..

و هنالك مَنْ كانوا في الخفاء يحيكون و في الظاهر يمدحون؛ أولئك ما بينَ مُنْحطٍ و راق.. فهم من العِلية استخفافاً بِمَنْ حولهم أو هم من الأراذل متملقين للعِلية؛ و كلاهما ذو مسعىً هزيل ما يلبثوا أن ينقشع غطائهم فلا ماء وجه تجد أو ضمير..

و تَجِدُ مَنْ لا يبزغ نجمَهُ إلّا في مَجْلِسِكَ لما لكَ مِنْ أدب الحوار، و مع أنّ قصاراه في البلاغة لا يغدو خِوار، و أنّه إذا ما خرج مِن دائرتِك لا يتّبعه إلّا الأراذل بادي الرأي، و هو بِهِم مُتَوَّجٌ سُلطانا؛ ذلك أنّ لديه قشوراً مِن حديثك و قبساتٍ مِن شخصك، و بذا يروح يعتلي ذوي الثقافة المُتَدنّية.

كما أنّك لو كنتَ ذا شأنٍ لوجدّتً لفيفاً غير قليل من المحيطين المداهنين و المرائين و المُدّعين للودّ، ذلك بأنّكَ تُغدق عليهم بالعطايا حتى رأوْها حقّاً مُكتَسَباً و إلْفاً مأْلوفا؛ فأَنّى’ كان التمحيص! ثُمَّ إنّهم حين الاختلاف يجحدون و ينكرون كُلَّ صنيع معروف و يتنكّروا لما سَبَقَ مِنْ فضائل، غيرُ راغبي عدلٍ و يأبَوْن إلّا أن يسود خطابهم.. لا خير فيهم و لا في خِطْبَةِ وُدِّهم..

كما أن قليلاً مِن أشباه الأوفياء تجده حولَكَ طالما كنت أمامه قائما؛ فإذا ألمَّ بِكَ أَلَمٌ؛ صلّى عليك صلاة جنائز ثم ابتعدَ عنك في نفور.. لا تعجب؛ فأولئك ما كانوا إلّا راغبي ترفيه..

و أمّا مَن كان لَهُ مَعَكَ منفعةٍ مُشتَركةٍ؛ فهو لاهِثٌ وراء مصلحته متلوّنٌ كحرباء ملتوية على غصن المنفعة.. و لا بأس بفقد ماء وجهه في سبيل اقتناص ما يروم إليه؛ و يعيد تعريف فقد الكرامة بأنّها صبرٌ على الأذى و يبرّر المهانة على أنها ضربٌ مِنَ الجَلَد؛ فإذا ما اغتنم بُغْيَتَهُ أَطَلَّ بوجهٍ قبيح..

ناهيكَ عن الأحمق في المجالس، ذاك الذي يستشيط غضباً إذا ما قاطعت حديثه الأخرق؛ نحو بعير يطير أو أساطير الأولين؛ ذلك أنَّ جُلَّ ما حازه من تثقيف لا يعدو الحاكايات ال”فولكلوريّة” و بعضٌ مما جاء به هزيل المُحدّثين. و هذا الأحيمق تراه ينهق و ينعق بعد ما افْحمتَهُ و قطعت عليه الشكّ باليقين و تراه في عداوةٍ ضامرةٍ و كامنةٍ، ثمّ هو في الانتظار حتى إذا ما دارت عليكَ الدوائر تجده في الصفوف الأُوَل من لاعقي أحذية الخصوم، بئس العشير ذاك الأحيمق، و إذا ما تبيّنتَ يوماً إشارةً لكينونته فابرحه غير لائماً لنفسك أو مُتأسِّفا..

و هنالِكَ أيضاً المُبقِي على الودّ تحسُّباً لنائبات الدّهر؛ لا يعلمُ مِن أين تصرعه المصائب و لكنّه على إبقاءٍ بغية المُتّكأ و ابتغاء الإغاثة حين اللهفة؛ فإذا ما أقدمْتَ على صنيعٍ له فلتستحضر النّية بأنّ خير النّاس أنفعهم للناس و لا تُراجع موقفكَ و لا موقفهِ مُكتفياً بِحسنِ الثّواب؛ ثمّ لا تبحث عنه في الرُجعى و كأنّما خصاله خصالك و لا تندم إن لَم تجدهُ فتلك سجيّةٌ فيه و ليس تَنَصُّلا، بل و حاول أن تلتمس له الأعذار.. فَلَقد جُبِلَ على السّعي وراء منافِعِهِ و الفرارِ مِنَ العَوْن..

أمّا من كانت سواعده موازية لساعديك و مساعيك فاحرص عليهم؛ هُم إمّا مُخلصين أو ذوي منفعة مُشتركة و لا بأس بكليهما، فبكفايته للشرور استحقّ تصنيفه غير مُخاصم، و لابد له من تنقيحٍ و تمحيص حين المواقف لترى إذا ما ارتقى لكونه صديقا.. و أولئك لن ترتاب فيهم كثيرا؛ إذا ليسوا وفرةٍ و إنّما ستجدهم من حيث لا تحتسب؛ كونهم رزقاً أو استجابةٍ لدعاء أُمَّ لابنٍ بار..

و احذر في بادئات مساعيك أنْ يُلَقِّنُكَ مَنْ بِهِ ذِلّة، فإنَّكَ و إن نَبَغْتَ صار مُتافاخراً لا بِكَ و إنّما بتعاليمه؛ فأولئك إن خالفتهم المنهج أو ناقشتهم في المسألة فجروا في الخصام.. و راحوا يتندّرون حولكَ في مجالسهم بأهازيج مكذوبة.. و لا تأخذ مُرادَكَ إلّا مِنْ ذوي الأيادي البيضاء..

و هنالك من يراقبكَ مِنْ طرفٍ خَفيّ، لا يراك إلا كما ترى اللصوص الغنائم؛ و هو جاهِدٌ نَفْسَهُ في الدّعاء بأن تزاورك المتاعب بغية الانقضاض على ممتلكاتك ليس بالجدارة و إنّما إرثاً بِغيْر قرابة و بهتاناً و ادّعاءاً؛ شأنه كشأن الوزغ النافث في اللّهب..

و من بين أولئك ستجد الواضح الصريح المنظر؛ فهو في ودٍّ دائمٍ للجميع؛ و ذلك مِن باب درأ الشرور و يحسب بذلك أنّه حصيف؛ غير أنّه لا يدري أن أمثاله هُم مَنْ تُقاد و تستعر بهم المعارك حين الخلاف؛ بل و رقابهم ما هي إلا كدرجات سُلَّمٍ للمُرتزقة..

قد تَرى المُرتزقةِ يُذودونَ عنكَ مِن ضُرِّ مُرتَزَقَةٍ أُخَر؛ لا لشرفٍ بِهِم و لا صَحْوَةِ ضمير؛ و إنما ضمانةً لاكتمال نصابهم فيكَ عطاءاً غيرُ منقوص، و هم بغدر الآخرين على درايةٍ كافيةٍ فالضّبع أدرى بما تبتغيه الذئاب..

و الغادرون لا يحسبون لضمائرهم وزناً؛ أفرأيتَ مَن استأصلَ المَعدة كيف له أَن يَهضِم الطّعام؛ كذلك من استُأصلتْ ضمائرهم فلا يستطيعون المراجعة و لا التأنيب.. و يجدون في مساعيهم حِنكة و رزقاً في العقل؛ سواءاً كانت مساعيهم ظاهرة أو باطنة أو حتّى مُنبطحة خسيسة؛ كما لا يزنون للأعراف و لا المحامد وزناً و هُم لِنَيْل بُغْيتهم على استعداد للتضحية بذويهم و تقديم المُقَرّبينَ كقرابين..

َتَذَكّر هذا؛ ليس كُلّ مُبتسم صديق..

لا بأْسَ أنْ تَرى الوجوه و تعتليها أقنعة؛ بل لابدّ لك من التّفرُّس ما خلف تلك الأقنعة؛ فإن لم تراها جَليّة ذُقت آثاراً خفيّة..

و من قبل مَن تقدّموا، هنالك مَنْ يُناصبك العداء صراحةً؛ لسببٍ وجيه أو بلا أسباب تُذكر، فإمّا أن سطوع نجمك يُضايق مُقلته أو أنّ في مُعاداتِك قُرباَ لأعدائِك أو كون الحِقد لهيباً في قفصه؛ كما أنّه قد يراك مُنافسٌ له في الرزق و لا يدري بأَنّ الرزق مقسوم..

ليس ذلك مدعاةً للانعزال و الاعتزال؛ بقدر ما هي دعوى اعتدال في التعامل و المودّة و الخصام، و عدم الانخداع بالأقنعة و الانقياد وراء ظاهر الأمْور..

لا ترمِ إلى إحاطة نفسك بالكثيرين معتقداً أنّهم عزوة؛ كم من عزوةٍ لا تُغني الكثرة منها عن فُرادى..

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s