كبش الأصيل..


بلا امتهان أو احتقار.. و لكن…

تجد اليوم مَن راح يحاكي الطبيعة في ألوانها، و يحاكي العطور في روائحها، و يحاكي الحيوانات في تصرّفها و يحاكي السكون في هدوئه

ثم انخرط أقوامٌ أُخَر في محاكاةٍ للحيوانات في الفنون القتالية، و آخرون قاموا باستنساخ التكنولوجيا من الحشرات و آخرون في تصميميات السيارت من الحيوانات..

و لعلّ أفضل من استوحى الحكايات على لسان حال الحيوانات كان عبد الله ابن المقفّع نقلاً عن بيدبا الفيلسوف الهندي في واحدة من روائع الدّرر بعنوان “كليلة و دمنة”، و أيضا رائعة جورج اورويل “مزرعة الحيوان” التي استقى فيها منطق الحيوان تجاه الحيوات بغية التعمية.

بات النّاس يتأمّلون ما حولهم بغية الإسقاط و الاقتباس، و إنني كواحد من أولئك الناس رحت استوحي علوم الحيوان إسقاطاً على سلوك البعض، فاشترك الكثيرون في خصالٍ حميدة و آخرون في خصالٍ خبيثة، و لَمْ أجد من الحميد الشئ الكثير..

و يعد الأنموذج الذي استخلصته لوصف سيد الخصال الحمقاء هو “الإنسان الضأن” و في رواية “الإنسان الضاني”، أو المعزوز” كما يروق لي أن أُسمّيه.

و قبل أنْ ينتابك شعورٌ بالاستهجان، فلتعرف المنهج و المسلك الذي أدّى لخروج ذلك الكبش إلى الواقع..

لعلّك تتقبّل “اسطورة المذؤوب” من حيث الطّرح، لكنّك تستنكر”اسطورة المعزوز”، أما رأيت التناطح في الطرقات، هل رأيت أناساً من قبل يتجادلون بالّتي هي أسوأ في مشهد يقارب التناطح ما بين الكباش، و كذلك تبادل السباب ما بين الأصدقاء على سبيل الممازحة هو اقرب للمناطحة على سبيل اللعب، ناهيك عن قيادة السيارات و التي توحي لي بطريق الكباش على غرار طريق الكباش في معبد الكرنك!

و ترى المعازيز يتناحرون فيما بينهم كالكباش المغيرة على قطيعٍ آخر، و ترى أيضا أن من يقوم بمضايقة السيدات في الطرقات هو أشبه بالمعزوز الساعي وراء معزوزة في موسم التزاوج في مشهد لا يتسع المقام لوصفه، و لعلّ الماعز أشدُّ أدباً من المتحرّشين..

هل رأيت ذلك المعزوز الموصوف و هو في جداله يُقِرّ و يُقسم بأن وجهات نظره هي منتهى الحكمة و ذروة سنامها؛ و ذلك بلا دليلٍ دامغ أو مَرجعٍ يُذكر، و عندما يفرُغ من بصاقه الفكريّ يُحَمْلِقُ أليكَ في نظرة تَحدّ و فخر، تماماً كما تفخر الذُبابة بوجبة البراز التي أعدّتها لصغارها.. و تراهُ مُبتَسِماً بثقة و سرور تُضاهي ابتسامة ضأنٍ فَرَغَ لتوّه من التهام العُشب..

أمّا إذا ما اعتلى ذلك المعزوز طائفة من الجديان؛ فحدّث و لا حَرَج، فكلّما زادت بلاغته من قولة “باااااء” ردّوا عليه توكيداً بقولة “ماااااء”؛ فيفرح القطيع بما أوتوا من الحكمة، و إذا ما كان هنالك ثمّة مشاهدين، فلا يرونهم إلّا كما يرى الراعي القطيع حين التسمين قبيل الأضحية، و بذا فإن المعزوز أضلّ مَن حوله بجهله؛ و باتوا جميعاً ببائهم و مائهم لا يجاوزون أرطالٍ من لحوم أضاحي..

أمّا لو نظرت عن كثب لحال المعزوز في المعايشة؛ لوجدت مساعيه خبيثةً تارة و محمودةٍ تارةً أُخرى، فهو لمُقربيه كبش فداء و لمحبيه دافعُ للتسلية عن طريق التناطح و مشاركة العبث الفكرى..

و في حين عداوته فمثلُهُ كمثل الكبش، فتراه ينطح إذا ما خامره الشكّ سواءاً كان مُصيباً أو مُخطِئا، ثُمَّ لا ينتهي إلا إذا أطحت به أرضاً و حينئذٍ يَبدأ بالاستماع..

لا أَذكُرُ ما تَقَدّم للقدح بقدر ما هي دراسةٌ لاستنباط المعرفة و الأخلاط و الأشباه..

محبّاً كُنتَ أو كارهاً، لا تنفر من فكرة “المعزوز” فهو حولك في أرجاءٍ كُثُر.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s