حلبة المصارعة..


تَعَلّمتُ ذات مرّةٍ في دورةٍ رصينة لمهارات البيع أنّ هنالك محرمات ثلاث لا يجدر بأحدهم الخوْضَ فيهنّ إذا ما اشتغل في المبيعات. و بالتجربة العملية و البراهين، اثبتت الادّعاءات صحّتها و أنّه لا طائل من الجدال العقيم الذي تستحضره تلك النقاشات الفارغة ما بيْنَ طَرَفيّ نقيض.

و الأمر المُعين على ذلك؛ أنني لا يستهويني من الأصل الخوض في تلك الموضوعات و لا يستهويني الجدل العقيم، فجُلّ ما يربطني بتلك هو السياسة من الماضي في صورة التاريخ و الدين الذي أدين به و فقه الاختلاف و القبول و الاعتدال و الوسطية و فوائد الرياضة من جانب كرة القدم و إن كنت غير ماهرٌ بها.

الاختلاف بين الأضداد بات أشدّ و طأة في عصرنا هذا، في مشهد انعدام لغة الحوار و الاختلاف. و ثالثة الأثافي هي منصة الحوار؛ فمنصات التواصل الاجتماعي أزالت حياء الحضور و قراءة الوجوه، و صارت أشبه بمحاولة قنص الآخر كما هي الحال في ألعاب الفيديو. و هُم قانعٌ و معارض و ما بينهما..

فالقانع بأحدى تلك المحرمّات الثلاث هو إمَّا أُمَّاً أو إماماً أو إمّعة، فهو مَن يحتضن الفكرة أُمّا، أو هو من يُنادي بهاً إماماً، أو هو إمّعةٌ مُّتّبعٌ يزعق وراء كُلّ ناعق.

تجد القانع المتعصّب مُفعماً بالقناعات المتناهية التي تصل لحدّ القسم و في تمام الرّفض للرأي الآخر، و لو هَمّ الآخير بالحديث عن زاوية اختلاف و لو ضيّقة فإن الأول يصبّ عليه جام غضبه و ينادي بصلبه و حرقه بداعي الهرطقة، ما أشبه ذلك بالعصور الوسطى.

و المعارض هو مُدافعٌ أو مُداهِنٌ أو مُناهِض، فهو مدافعٌ في ندّيةٍ للقانع، أو مُراءٍ و مُتقرٍب لخصم القانع كَمُداهن أو هو من هواة الجدل بالتي هي أسوأ في ثوب المناهض.

و من بينهم المُشاهد أو المُجاهد أو المَطيّة، المشاهد لا يعبأ بطرفي الحوار و في روايةٍ “الخوار”، أو أنّه مُجاهدٌ في الصبر على الاستماع بُغيةَ المَوَدّة، أو كونه مطيّة ذلك أنّه خامل و يسهل اقتياده.

و الأمر اللّافت للنظر، أنّ مَنْ أَعْرَض عن تلك السجالات و نأى’ بجانبهِ رَمَوْهُ بالزندقة أيضاً و خلعوا عليه لفظة “حزب الكنبة”، فهو إمّا مُتحيّزٌ لفئةٍ و إن لَم يكن صار غير مَأمون! و يُسعدني شخصياً الانضمام لتلك الطائفة ذات “الكنبة” التي أنظر من فوقها إلى حلبة المصارعة.

أمّا مَن كان مُنفتحاً على الحوار و ليّن الجانب؛ فإنه يطاله من السفسطائية كثير الشروح حول اعتقاد الأول.

قد أَسهبتُ و المقصد، أنّ هذا لن يكون ذاك و لن يقتدِ بدربه و إنْ اقتنع؛ ذلك أنّ الهدف هو الجدل و ليس الجدال.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s