قالك المهرجانات


ما ان قام ا. هاني شاكر باعتراض طريق بهاليل المهرجانات و الأغاني الشعبية حتى انتفضت فئه من الشعب مناوئة للذوق الرفيع، ثم انهالت سخرية و تجريح في شخص ا. هاني شاكر في واحدة من المشاهد المعتادة لحنق الطبقات الدنيا و متبعي اذواقهم و مناصريهم، ذلك الجمع الذي يتفاخر بمنادتهم لبعضهم الآخر بكلمة “ياسطى”. الأمر الذي يتركني في حالة عجب من التعريفات المعاصرة و التي توجّه المثقفين و “أولاد البلد” -بغض النظر عن الحالة المادية- إلى أن قوة الشخصية و الانتماء لا يمكن الإتيان بهما إلا من واقع “ثقاقة العشش” كما يحلو لي أن أسمّيها.

و الحق أن ا. هاني شاكر لم يقدّم فناً يتسم بالخلاعة و لا الانحلال، و ما كلمات الأغاني بمحل نقدٍ كيما تُتّخذ ذريعة للتندُّر و الاستخفاف، ذلك أن من استخف بالشخص بسبب كلمات الأغنية لكانت عذبةٌ على أسماعة لو اتت من احد مفضليه، و المأخذ هنا على الشاعر من ناحية مع وقفة و مراجعة من المغني للانتقاء، و لو من هذا المدخل فأذكر موقف طريف مع صديقٍ لي أخذ يغنّي وراء احدهم بانخراطٍ تام في حالة أشبه بفقد الوعي، و حالما اردت ان افهم ماذا يقول هذا المغنّي احسست بأنني عربي في بلاد الهند، لست أفهم ما يقال من ناحية و عندما فككت طلاسم الأغنية لم يفهم صديقي هذا تراكيب الكلمات من الناحية الأخرى، فلما انتقدت الأمر قال لي “عيبك يا عوض انك بتدق على الحاجات دي و بتحاول تفصص الموضوع”!

الأمر الغريب فعلاً انه لو كان لأولئك المهللاتيه جمهور بهذا العرض فلا مانع من تركهم يقدمون لهم ما يستسيغون بلا منع قسري او انتفاضة الأجيال السابقة حيال السباب و المخدرات و كأنما الأمر وليد هذا الجيل و كأنما لم يسبقهم ا. عدويه بمستهل موشحه المشهود “السح الدح امبو” في واحدة من أشد كلمات التاريخ هزلاً و قيئاً و إسهالاً.. بل و اعتبرها البعض تجديداً و ترويحاً و تأصيلاً.

ثم ان اتباع شباب المهرجانات بهذه الكثافة ما هي إلا انعكاساً للانحطاط الفني الجيني و البيئي و التربوي، ذلك ان الجيلين السابقين ولدوا بين احضان عمالقة الفكر و الأدب و الفن و الحرف و العلوم و على الرغم من ذلك فلم يُسقى من معينهم إلا من كانت لديه نزعة نحو تذوق الجماليات و الفصل ما بين الغث من الثمين، فكان وجود العقاد موازيا لوجود شكوكو (يرحمهم الله) و من هو اعلى منه مرتبة في الهزل، ثم فرض العمالقة انفسهم على المجتمع من ناحية و من الناحية الأخرى كان لهم متبعيهم و مريديهم و تلامذتهم و معجبيهم و محبيهم، و لكن الشاهد انه ما من عمالقة في الأجيال الراهنة و لا مريدين لهم و انما صار الهزل و الترويح و الغضب و الانحلال بادئات لكل من يلج مجالاً من المجالات.

من رؤية أوسع لست أجد الصراع في المهرجانات و لا كرة القدم و إنما اعتقادي ان الناس يريدون “جنازة يشبعوا فيها لطم”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s